شعور غريب يلازمني في كل مرة أدخل فيها مطار. وكأنني أعبر بوابة سرية، لا تقودني فقط من بلد إلى آخر، بل تنتشلني من الزمن الذي كنت فيه، من الحياة التي أعيشها، وتضعني مؤقتاً في فراغ يشبه الحلم.
أرى المطارات كبسولات زمنية، تنقلنا من حدث لآخر، من مشهد داخلي إلى مشهد خارجي مختلف تماماً، دون أن ننتبه كم تغيرنا بين اللحظتين.
في المطار، يتوقف كل شيء، أو ربما يتحول. لا الليل ليل، ولا الصباح صباح. الأوقات تختلط، واللهجات تتنوع، والوجوه مجهولة لكنها مألوفة بطريقة ما. نكون فيها بلا ماضٍ قريب ولا مستقبل محدد. فقط نحن والانتظار. نحن والحقيبة التي تختصر حياتنا في بعض الكيلوات. نحن والرحلة القادمة التي لا نعلم كيف ستبدل فينا.
المطار هو مكان للعبور، لكنه أيضاً مكان للتأمل. في لحظات الانتظار، يتسع الزمن لأسئلة لم نكن نملك لها وقتاً: من نحن؟ إلى أين نمضي؟ ما الذي نتركه خلفنا، وما الذي نأمله في القادم؟ وكل رحلة، حتى وإن بدت قصيرة أو معتادة، تحمل في طياتها بداية جديدة لحالة شعورية مختلفة، أو لمرحلة من النضج، أو حتى لحكاية لم تبدأ بعد.
ربما لهذا السبب أحب المطارات، رغم كل الوداعات والمشاعر المختلطة. أحبها لأنها تعلمني أن الحياة ليست فقط ما نعيشه في استقرارنا، بل أيضاً ما نمر به في لحظات العبور. تلك اللحظات التي نظن أنها مؤقتة، لكنها غالباً ما تكون الأكثر تأثيراً فينا.
ففي المطارات، نحن لسنا في وطن، ولسنا بعد في الغربة. نحن في مكان بين الاثنين، مكان لا يشبه أي شيء آخر، لكنه يشبهنا في هشاشتنا، في توقنا، وفي قدرتنا الدائمة على البدء من جديد.



